الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
بفضل الله تعالى وتوفيقه أُقيمت الدورة المهارية العالمية في كيفية التعامل مع الشبهات الفكرية في مجال الدعوة، مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بن عبد الله السهيم، وذلك يوم السبت 14 فبراير 2026م، عبر برنامج زووم، بمشاركة 90 داعية من مختلف المناطق.
وقد جاءت هذه الدورة في وقتٍ تشتد فيه الحاجة إلى تأصيل العلم الشرعي الصحيح، وتعزيز مهارات الدعاة في مواجهة ما يطرأ في الساحة من شبهاتٍ فكرية، ومقولاتٍ منحرفة، وتشكيكاتٍ تُثار حول ثوابت الدين وأصوله، لا سيما مع سرعة انتشار المحتوى عبر وسائل التواصل، وسهولة وصول الشبهات إلى الشباب والناشئة.
وافتُتحت الدورة بكلماتٍ توجيهية أكّد فيها فضيلة الدكتور أهمية العلم الشرعي في حماية الداعية قبل غيره، وأن من أعظم ما يثبّت المسلم أمام الفتن الفكرية هو رسوخ الإيمان، ووضوح المنهج، وصحة التلقي عن أهل العلم، وأن الداعية لا ينبغي أن يدخل ميادين الرد والنقاش إلا وهو متسلّح بالعلم، متأدّب بأدب الشريعة، متّزن في أسلوبه، بعيد عن الانفعال والتسرّع.
ثم انتقل فضيلته إلى بيان مفهوم الشبهات الفكرية، وأنها ليست مجرد أسئلة عابرة، بل هي أبواب يدخل منها الشيطان لتشويش العقيدة، وإضعاف اليقين، وإثارة الشكوك، وإحداث التذبذب في النفوس، وقد تكون الشبهة في صورة مقطعٍ قصير، أو عبارةٍ جذابة، أو سؤالٍ يُطرح بطريقة خبيثة، لكن أثرها قد يكون عظيمًا إذا لم يُحسن المسلم التعامل معها.
كما تطرّقت الدورة إلى أهم أسباب انتشار الشبهات في هذا العصر، ومنها: ضعف التأصيل العلمي عند كثير من الناس، وغياب المرجعية الشرعية لدى بعض الشباب، والانبهار بالمحتوى الوافد، واتباع العاطفة دون علم، إضافة إلى كثرة المتحدثين بغير علم في منصات الإعلام، حتى أصبح كثيرٌ من الناس يتلقون دينهم من غير أهله.
ومن أبرز ما تميّزت به الدورة أنها لم تقتصر على الجانب النظري، بل ركّزت على الجانب المهاري العملي، حيث عرض فضيلة الدكتور خطواتٍ واضحة في كيفية التعامل مع الشبهة منذ لحظة سماعها، مرورًا بتحليلها وفهم جذورها، ثم ردّها بالدليل الشرعي والعقلي الصحيح، مع مراعاة حال السائل، وبيئته، ومستوى علمه، وطبيعة الشبهة التي يطرحها.
وبيّن فضيلته أن الداعية ينبغي أن يفرّق بين الشبهة والشهوة، وبين السؤال الصادق والسؤال المتلاعب، وأن الرد لا يكون دائمًا بالطريقة نفسها؛ فبعض الناس يحتاج إلى تعليمٍ وتأصيل، وبعضهم يحتاج إلى إزالة لبس، وبعضهم لا يريد الحق وإنما يريد الجدال، وهنا تظهر حكمة الداعية في اختيار الأسلوب المناسب، والوقت المناسب، والكلمة المناسبة.
كما أكد فضيلته على ضرورة الجمع بين قوة الحجة وحسن الخلق، لأن كثيرًا من الشبهات لا تُهزم فقط بالدليل، بل تُهزم أيضًا بحسن الأسلوب، وصدق النية، ورحابة الصدر، ووضوح المقصد، وأن الداعية إذا كان قاسيًا أو متعاليًا قد ينفّر الناس، ولو كان معه الحق، بينما إذا كان رفيقًا رحيمًا فإن ذلك يفتح القلوب للحق بإذن الله.
وتناول فضيلته كذلك جانبًا مهمًا وهو أن الشبهة قد تكون نتيجة جهل، وقد تكون نتيجة تجربة سيئة، أو موقفٍ اجتماعي، أو أزمة نفسية، أو صدمة، ولذلك يجب على الداعية أن يكون بصيرًا بحال الناس، وأن لا يحصر علاج الشبهات في الردود العلمية فقط، بل قد يحتاج الأمر إلى تربية، واحتواء، ورفق، ودعاء، ومرافقة طويلة حتى يستعيد الإنسان طمأنينته ويقينه.
وقد شهدت الدورة ـ ولله الحمد ـ تفاعلًا كبيرًا من الدعاة المشاركين، حيث طُرحت العديد من الأسئلة الواقعية التي تواجههم في الميدان الدعوي، خاصة ما يتعلق بالشبهات المنتشرة حول العقيدة، والقدر، والسنّة النبوية، ومسائل التكفير، وقضايا الإلحاد، والتشكيك في العلماء، وكذلك شبهاتٍ تتعلق بمكانة المرأة في الإسلام، والحدود الشرعية، وغيرها من القضايا التي يُكثر منها بعض أهل الأهواء.
وأجاب فضيلة الدكتور عن هذه الأسئلة بإجابات علمية متينة، وبأسلوب تربوي هادئ، مع توجيهاتٍ نافعة للدعاة بأن لا ينشغلوا بالردود الطويلة في كل موضع، وأن يقدّموا الأهم فالأهم، وأن يجعلوا همّهم الأكبر هو تثبيت الناس على أصول الدين، وبناء اليقين، وتعليم التوحيد، وربط القلوب بالله تعالى، لأن هذا هو الأصل الذي تُبنى عليه بقية العلوم.
كما تطرّقت الدورة إلى أهمية التدرج في الرد، وأهمية الرجوع إلى العلماء الثقات عند الإشكالات الكبيرة، وعدم الاستقلال بالرأي، خاصة في المسائل التي تحتاج إلى دقة علمية، وأن من أعظم الأخطاء أن يظن الداعية أن مجرد اطلاعه على بعض المقالات أو المقاطع يجعله قادرًا على الرد في كل باب، بل الواجب أن يلتزم طالب العلم حدود علمه، وأن يقول: لا أعلم، إذا لم يعلم، فهذا من تمام الأمانة.

